الشخصيّة الـ”كول”: ما هي ملامحها؟ وما علاقتها بالموناليزا؟

الشخصيّة الـ”كول”: ما هي ملامحها؟ وما علاقتها بالموناليزا؟

عندما نقول لأحد ما بالعاميّة: “أنتَ شخص كول“. فإنّنا ندرك تماماً ما نقصده، لكنّنا لا نستطيع إيجاد مقابلٍ له بالعربيّة. حتّى اللغات الأخرى، كالفرنسيّة، تبنّت هذه المفردة كجزء منها؛ دون ترجمتها.

ربما يقول البعض نستطيع استبدالها بـ”رائع”—”أنتَ شخص رائع. لكننا نعرف أنها ليست وصفاً دقيقاً أبداً للكلمة.

ما معنى كلمة “كول” الإنكليزيّة؟

كول لها معانٍ عديدة، أبرزها:

بارد (بشكل معتدل ومنعش، وليس بارد جدّاً مثل Cold)

هادئ (أي متسم بضبط النفس وهدوء الأعصاب)  

الآن، لنعرف معناها الدقيق، علينا العودة إلى أصلها.

كول” هي طريقة سلوك كان يتبنّاها السجناء، والمستضعفين، والمستحكمين؛ خاصّة من أصحاب البشرة السوداء في أمريكا. إذ لم يكن باستطاعتهم مواجهة السلطة أو التمرّد عليها، لذا كانوا يتظاهرون بأنّهم غير مكترثين، وغير متأثّرين بمحيطهم. وهذه واحدة من آليات الدفاع عن النفس واسمها (التورية الانفصاليّة – Ironic Detachment).

لكن ربط هذا السلوك بتلك الكلمة تحديداً، يعود لعازف الساكسفون الأمريكي من أصل أفريقي ليستير يونغ.

تخيّلوا معي أنّكم تجلسون في مقهى جاز ليلي، وأنّ ليستر يونغ يعزف على الساكسفون، وأنّ دخان السجائر يعمّ المكان. عندها يقوم أحدهم بفتح النوافذ ليدخل الهواء البارد – (الهواء الـ”كول”) وينقشع الدخان.

الجاز الأمريكي
مصدر الصورة: Nathan Hamilton

وهكذا صار الجاز والـ”كول” مفردتان متلازمتان، حتّى ظهر نوع موسيقى آخر اسمه “كول جاز – Cool Jazz” ليعبّر عن الموسيقى الهادئة والتي تحفّز على الاسترخاء من أداء العزف المُنفرد.

إذاً، حتّى الآن ترتبط الكلمة: بإخفاء الشخص لمشاعره، والاسترخاء.

إلّا أنّ هذا المفهوم أقدم بكثير ممّا نعتقد!

ففي القرن الـ15، استخدمت إحدى حضارات إفريقيا الغربيّة (اسمها يوروبا) هذا المفهوم أيضاً بكلمة “إيتوتو – Itutu” لتعني الرصانة الغامضة. تماماً مثل الشخص الذي يوري ما بداخله.

بعد ذلك، تجسدّت تلك الفكرة بشكلٍ بصريّ عندما أتى ليوناردوا دافنشي بلوحته الشهيرة المواليزا:

الموناليزا هي شخصية كول، هذه واحدة من أسرار الموناليزا

فالموناليزا لا تبتسم بشكلٍ واضح باللوحة — هي لا تُبالغ في الابتسام. والطريقة التي تضع يديها فوق بعضهما تعبّر عن رصانتها وكونها من طبقة راقية. أمّا نظرتها فهي تعبّر عن ثقة كبيرة بالنفس، لدرجة تبدو وكأنّها تنظر علينا بشكلٍ ساخرٍ ولكن مبطّن.

لكن هذه الإيحاءات ليس محض الصدفة، إنما هي مثال على ما يسمّى الـ”سبريزاتورا – sprezzatura” : وهي طريقة سلوك كانت تفضلها الطبقة الارستقراطيّة في إيطاليا في القرن الـ16، والتي تنتمي لها الموناليزا. ذلك السلوك يقوم باختصار على إخفاء مشاعرك ورغباتك تحت ذاك القناع ذاته: الانفصال عن المحيط بطريقةٍ ساخرة؛ وعدم إظهار الانفعال.

الـ”كول” والفلسفة الرواقية

يتشابه مفهوم الشخصيّة الـ”كول” مع بعض مبادئ الفلسفة الرواقية. إذ يقول مؤسسها زينون الرواقي: “إنّ الرجل الحكيم يجب أن يتحرر من الانفعال، ولايتأثر بالفرح أو الترح، وأن يخضــع من غير تذمر لحكم الضرورة القاهرة” . وهذا ما يتماشى مع فكرة كبح النفس، والسيطرة على المشاعر.   

كيف دخل الـ”كول” إلى الثقافة الشعبيّة؟

باعتباره نوع من أنواع مواجهة الاضطهاد، فإنّ هذا المفهوم أصبح مصدر إلهام وابتكار لدى الكثير من الفنّانين، وروّاد الفكر. ومن خلالهم استطاع أن يتغلغل بالثقافة الشعبيّة، والموضة الرائجة.

ولكون الشخصيّة الـ”كول” تحاول إيجاد التوازن بين الرضوخ، والتمرّد (كما قلنا في حالة المساجين). فهي الأكثر شعبيّة بين فئة المراهقين. لأنّ المراهق لا يستطيع التمرّد كليّاً على والديه وبيئته، لذا فهو يلجأ لتطبيق هذا السلوك بأساليب أخرى؛ مثل موضة البناطيل المهترئة مثلاً.

هل هناك تعريف واضح لتلك الكلمة؟

معناها كان ولا زال يختلف على حسب المنطقة والمرحلة الزمنيّة. لكن من أكثر الأشياء التي تتقاطع بين تلك الاستخدامات؛ التميّز عن الآخرين، الغموض وإخفاء المشاعر، وإبداء حالة من الاسترخاء مهما كانت الظروف المحيطة. حتّى أنّنا نلاحظ دائماً أنّ النظارات السوداء ترتبط بتلك الكلمة. لأنّ النظارات تخفي العيون، وتساعد الشخص على أن يبدو مسترخياً وغامضاً أكثر. (اكتبوا Cool على هاتفكم، وسيقترح عليكم الهاتف رمز الإيموجي هذا 😎)

الشخصيّة الـ”كول” اليوم تحظى بالشعبيّة الأكبر، على الرغم من أنّها لا تكترث بالعادات والتقاليد السائدة. من الأمثلة على السلوك الذي يعتبر “كول” في وقتنا حاليّاً:

  • تحقيق عدد متابعين كُثر على السوشال ميديا
  • تحقيق الشهرة، أو مصادقة المشاهير
  • الظهور بإطلالات مميّزة
  • إقامة الحفلات الباذخة
  • شراء سلع من منتجات فاخرة
  • ركوب السيارات الفارهة
اكتراثنا بأن نكون “كول”، يتلاشى مع تقدّمنا بالعمر

بحسب لورنس شتاينبرغ، وهو عالم نفس أمريكي، فإنّ الدماغ فيه نظامان ينضجان مع تقدّمنا بالعمر:

  1. الأوّل:  اسمه النظام الاجتماعي العاطفي، وهو مسؤول عن المُدخلات الاجتماعية والعاطفيّة للدماغ، كما يوحي الاسم
  2. الثاني: اسمه نظام التحكم الإدراكي، مسؤول عن تنظيم السلوك واتخاذ القرارات  

لكن هذين النظامين لا ينضجان بالمعدّل نفسه. فهناك مرحلة بين سن البلوغ والمراهقة يكون فيها النظام الاجتماعي العاطفي أكثر نشاطاً. وعندها يصبح لدى الشخص رغبة شديدة في أن يكون “كول”. (إنّها معاناة المراهقين!)

لذا كلّما قلّ اكتراثنا في أن نكون “كول”، كلّما كان دماغنا متطوّراً أكثر.

المصادر: philosophynow، ويكيبيديا، Vsauce، iasj ،merriam-webster

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
PINTEREST
INSTAGRAM