هذا هو مفتاح التحرّر من الألم النفسي، بحسب الفلسفة المتعالية

هذا هو مفتاح التحرّر من الألم النفسي، بحسب الفلسفة المتعالية

لمدّة 30 عاماً، كان هناك شحّاذ يجلس على صندوق طالباً المال من المارّة. 30 عاماً من الشحاذة! وذات يوم، وبينما كان رافعاً يده ويتمتم لأحدهم: “ألديكَ بعض النقود التي تتحسّن عليّ بها؟”، أجابه ذاك الشخص: “ليس لديّ شيئاً أعطيكَ إيّاه”.

ثمّ قال له: “ما هذا الذي تجلسُ عليه؟”
ردّ الشحاذ: “لا شيء. صندوقٌ قديم لا زلتُ أجلس عليه منذ زمنٍ بعيدٍ جدّاً”.
فردّ الرجل: “هل نظرتَ لما بداخله؟”
فأجابه الشحاذ: “لا، ومالفائدة من ذلك؟”
أصرّ الرجل عليه أن ينظر بداخل الصندوق. فقام الشحاذ عنه بكسلٍ، وبدأ برفع الغطاء:

شيئاً فشيئاً بدأ يستوعب أنّ الصندوق الذي كان جالساً عليه للشحاذة كان مليئاً بالذهب والغالي والنفيس. 💎

🔸 قد تبدو القصّة مبتذلة، ولكن المغزى منها ينطبق على حالنا:

نُمضي حياتنا ونحنُ نجري لاهثين وراء أشياءٍ تُعطينا سعادةً مؤقتة، ونبقى راكضين خلفها يوماً بعد يوم — يوماً بعد يوم، دون أن نصل إلى الشعور بالرضى التام والسعادة الحقيقيّة. ذلك لأنّنا نستقيها من مصادر خارجيّة، من أشخاصٍ، أو من إنجازات، أو نجاحات، أو مشاريع، أو شيء قابلٍ للتغيّر والرحيل والزوال.

فكّروا كم مرّة سعيتم وراء شيء، وما إن وصلتم إليه، بدأتم تلهثون وراء شيءٍ آخر جديد.

لذا، الفكرة هي أن الوصول إلى الشعور بالرضى التام يأتي من داخلكم، وهذا الشعور سيتفوّق على كلّ المشاعر المؤقّتة والعابرة التي تستقونها من أماكنَ أخرى.

🔹 هذا هو المبدأ التي تقوم عليه “الفلسفة المتعالية – Transcendentalism“، وغيرها من الفلسفات الروحانيّة والعقائد الشرقيّة، وبرأيي أيضاً كلّ الأديان الأخرى ولو اختلفت التسميات.

وهم الانفصال:

تؤمن الفلسفة المتعالية أنّنا جميعاً متصلون مع بعضنا، ليس البشر فقط، بل الشجر والحيوان والحجر. كلّ أشكال الحياة هذه متصلة مع بعضها في جوهرٍ واحد سامٍ غير قابلٍ للقياس، وغير قابل للزوال، وغير قابل للإدراك بالعقل. (دعونا نصفها هنا بالـ”روح”).

هذه الحقيقة (حقيقة الروح) لا يُمكن الشعور بها إلّا عندما يكون العقل صامتاً، وحاضراً في اللحظة الحاليّة. والشعور بها هو استنارة روحيّة.

كلّما زاد انفصال الإنسان عن هذا الجوهر سواء بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ، زاد معه الخوف، والصراع الداخلي، والصراع الخارجي.

والروح، بحسب الفلسفة المتعالية، لا تولد لا تموت، هي أبديّة، وحاضرة دائماً. وهي أعظم من النفس، لكن يُمكن الوصول لها من خلال النفس.

لكن الاستنارة الروحيّة هي ليست قوّة خارقة للطبيعة، بل هي حالة من الاتحاد مع الروح والكون.

ما هو العائق أمام الاستنارة الروحيّة؟ 🧠

يقول ديكارت: “أنا أفكّر، إذاً أنا موجود”. وهذا برأي الفلسفة المتعالية أكبر خطأ شائع؛ وهو التطابق مع العقل — أو الاعتقاد بأنّ كلّ ما تفكّر به هو حقيقتك أو روحك.

فالضجيج العقلي هو الذي يمنعنا من الوصول إلى حالة السكون المتصلة بجوهر الوجود؛ الروح. والعقل يُطلق الأحكام دائماً، بينما الروح صامتة وفي حالة سكينة.

لذا فإنّ تهدئة العقل هو نوع من التحرّر واقترابٌ من الحقيقة. والاستنارة الروحيّة تحرّر الإنسان من التصارع مع الذات، ومع الآخرين، ومن عمليّة التفكير القسريّة.

🔸 بداية التحرّر تكمن في إدراك أنّ جوهر ذاتنا هو ليس العقل المفكّر.

التطابق مع العقل يبني حاجزاً بيننا وبين الناس الآخرين عبر سلسلة من الصور، والأحكام، والانتقادات، والآراء، والمفاهيم. وهذا بالتالي يفصل بيننا، ويُنسينا حقيقة أنّنا جميعاً نشترك بجوهرٍ واحد — جميعاً متصلون مع بعضنا البعض.

لا يُمكن الإنكار أنّ العقل هو أكثر أداة مذهلة في الحياة، لكن المُشكلة في أغلب الأحيان أنّنا نكون عبيداً لهذه الأداة.

“المجانين”، كما يصفهم المجتمع، يمشون في الشارع ويتكلّمون مع أنفسهم بأحاديثٍ ثنائيّة (ديالوج)، أو مناجاتٍ فرديّة (مونولوج). لكن لا يوجد فرقٌ كبير بيننا وبينهم سوى أنّنا نخوض هذه الحوارات أو التخيّلات بشكلٍ داخليّ، وهم يعبّرون عنها بصوتٍ عالٍ.

🔹 هذه هي معضلة التفكير التي تقود إلى توقّع سيناريوهات سيّئة، أو التألّم من الماضي، لأنّنا نقوم بترجمة الحياة ومجرياتها عبر عدسةِ تجاربنا ولا نستطيع النظر إليها بتجرّد. لذلك، هناك مثل يقول: “لا تصدّقوا كلّ ما تفكّرون به“.

وهذا الصوت الداخليّ قد يعذّب الشخص طوال حياته؛ مثل تأنيب الذات، أو بالعكس؛ النظر إلى النفس على أنّها ضحيّة. وهي سبب الألم النفسيّ للكثير دون إدراكهم لذلك، وقد تكون سبباً في الأمراض الجسديّة.

التأمّل 🙏

لهذا السبب تسعى ممارسات “التأمّل” في الفلسفة المتعالية والعقائد الشرقيّة إلى مراقبة تلك الأفكار بهدف تهدئة العقل المُفكّر والوصول إلى حالة السكينة.

ما الذي نعنيه تماماً بمراقبة صوت العقل المفكّر؟
استمعوا إلى الأفكار التي تتدفق في رأسكم، انتبهوا إليها، ولكن لا تدينوها، لا تستاؤوا منها، فإن فعلتم ذلك — هذا معناه أنّ الصوت نفسه عاد إليكم من الباب الخلفيّ. لاحظوا الأفكار التي تفرض نفسها عليهم بشكلٍ متكرّر، لا تكبحوها. لا تدفنوها. راقبوها بهدوء. تخيّلوا أنّ روحكم (جوهر الوجود)، هي التي تراقب العقل المفكّر.

سريعاً ستدركون ما يلي: هنالك صوت، وها أنا استمع إليه وأراقبه.

هذا الشعور ليس ناتجٌ عن التفكير، إنما يبزُغ من مكانٍ أسمى من العقل.

لذا عندما تستمعون لفكرةٍ ما، لن تكونوا مدركين للفكرة وحسب، بل ستشعرون أنّكم شاهدون منفصلون عن تلك الأفكار وأنّها ليست جزءاً منكم. عندها سيصبح لديكم نوعٌ جديدٌ من الوعي؛ وهو الحضور الواعي، أو النفس العميقة (الروح) التي تعلو على الفِكر.

وفي تلك المرحلة، ستفقد الفكرة سيطرتها عليكم! ويبدأ تأثيرها بالتبدّد شيئاً فشيئاً… لأنّكم توقّفتم عن منح عقلكم القوّة للتطابق مع أنفسكم.

💚 وهذه هي نهاية التفكير القسريّ واللا إرادي.

عندما تخبو الأفكار، ستشعرون بسكينة في ذهنكم، وطمأنينة بداخلكم.

💚 وهذه هي بداية الوصول إلى حالتكم الطبيعيّة بالاتحاد مع الروح/الجوهر التي تشترك بها كلّ أشكال الحياة!

المقالة مستوحاة ومُترجمة بتصرّف من “دليلكم لفهم الفلسفة المتعالية” للدكتورة حنان الغفري.

3 أراء حول “هذا هو مفتاح التحرّر من الألم النفسي، بحسب الفلسفة المتعالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
PINTEREST
INSTAGRAM