التوتّر والتأمّل وحُضن الأم: علاقة مذهلة يكشفها أحد أكبر أساتذة جامعة هارفرد

التوتّر والتأمّل وحُضن الأم: علاقة مذهلة يكشفها أحد أكبر أساتذة جامعة هارفرد

لقد وصفت منظّمة الصحّة العالميّة “التوتّر” على أنّه وباء القرن الـ21. لكن دكتور الطب النفسي في جامعة هارفرد غريغوري فرتشيون (Gregory Fricchione)، يعتبره مرض كلّ العصور.

وذلك لأنّه مرتبط بحالة اسمها “الانفصال”، مثل انفصال الطفل عن حضن أمّه.

ففي محاضرة لكليّة الطب في (جامعة لونغوود – Longwood University)، تحدّث الدكتور غريغوري عن أصل الإجهاد والتوتّر، وطريقة عملهما داخل الدماغ، والجزء المسؤول عنهما، وأعطانا أخيراً الحلّ الحقيقيّ والمنطقيّ للتعامل معهما.

تلخيص المحاضرة:

الإجهاد/التوتّر: هي الطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع أي شيء يراه كنوع من التهديد أو التحدّي له. أو قد يجهد نفسه حتى أمام الفُرص.

الجزء من الدماغ الذي يطلق إنذار الخوف اسمه اللوزة الدماغيّة.

البعض منّا يتمتّع بقدرة أكبر على التعامل مع الخوف، هذه القُدرة يُشار إليها بـ”المرونة النفسيّة“.

التوتّر إلى حدّ معيّن يساعد في تحسين أدائنا، مثل التحضير للامتحان. فيجلعنا بالتالي نأخذ علامة عالية، بدلاً من الرسوب (ولذلك قلنا يُجهد الدماغ نفسه حتّى أمام الفُرص). لكنّ عندما يتخطّى التوتّر طاقتنا في المرونة النفسيّة، قإنّه يؤثّر سلباً على الصحة والأداء ويُصبح حينها إنهاكاً (بالإنكليزي: Burnout).

وباعتبار أنّ الحياة بطبيعتها مليئة بالأمور المُجهدة، فأول ما يقوم به الدماغ عند الاستيقاظ هو ضخ هرمون الكرتيزول للجسم.

قرن آمون:

قرن آمون هو مكوّن رئيسي من الدماغ مرتبط بالذاكرة قصيرة الأمد والذاكرة طويلة الأمد، وله وظيفة أخرى؛ وهي تهدئة اللوزة الدماغيّة عندما تتأهّب وتطلق جهاز الإنذار. وكأنّه يقول للوزة الدماغية:

“نعم، إنّكِ تواجهين تهديداً، لكن لا تبالغي بردّة فعلك. ستنجين”.

الخلاصة إذاً، التوتّر/الإجهاد/القلق هو ناتج عن إنذار من اللوزة الدماغية، وقرن آمون هو الجزء الذي يهدّئ من ردّة فعلنا.

الانفصال والتعلّق:

بول ماكلين (Paul MacLean)، هو دكتور وعالم أجرى أبحاث معمّقة على الدماغ، كان قد كتب رسالةً للدكتور غريغوري قائلاً: “لكَ خالص أمنياتي بالتوفيق في دراسة إحدى أكثر حالات الثدييات إيلاماً؛ وهي الانفصال“.

يقول غريغوري، مهما بلغ تقدّمنا في القرن الـ21، مهما بلغ عدد الأدوات والتطبيقات، ستبقى كائناً ثديّاً قديماً. وستبقى لديك الحاجة بالتعلّق لتكون صحّتك جيّدة وليبقى التوتّر لديك تحت السيطرة. ولا يمكنك الفرار من هذه الحاجة.

ولذلك كتب بول ما كتبه. لقد كان عليماً بالدماغ وتطوّره أكثر من أيّ شخص.

الأمهات يعرفن أنّ أوّل خوف يصيب طفلهن هو انفصاله عنها، الخوف من ذاك الانفصال هو أصل كل أنواع الخوف والقلق التي ستواجها في حياتك.

وفي دراسة قام بها عالميّ نفس هولمز و ري (Holmes & Rahe) تبيّن أن مُعظم الأسباب التي تثير القلق أو الخوف لدى الناس هي تحديّات لها علاقة بالانفصال، من ضمنها:

  • سوء صحّة أحد أفراد العائلة
  • المرض أو الإصابة
  • موت صديف مقرّب
  • الطرد من العمل
  • التقاعد
  • وفاة شخص مقرّب
  • الطلاق
  • وفاة شريك الحياة
لفهم الانفصال والتعلّق أكثر، علينا معرفة المبادئ الأساسيّة عن الدماغ:
  • الدماغ هو عضو متخصص بأداء وظيفة الحياة
  • هو حسّي-حركي، محلل – مستجيب
  • تطوّر الدماغ ليساعدنا في أن نقرّر ما يلي: تجنّب شيء ما، أو التقرب منه، أو الانفصال عنه، أو التعلّق به
  • وهو ينمو عبر سلسلة من التحديّات المرتبطة بالانفصال، ومن الحلول المرتبطة بالتعلّق التي بدورها تصيغ المسارات الدماغيّة عبر مراحل تطوّرية
  • كلّ الفقاريات تحتاج للتعلّق بمصادر للطاقة الأيضيّة (طعام)، ومصادر التكاثر (الجنس الآخر)
  • كلّ الثدييات تحتاج للتعلّق بمصادر للطاقة الأيضية، ومصادر التكاثر، ولكن إضافةً إلى ذلك تتعلّق بمصادر اجتماعيّة أو أبويّة   
  • كلّ البشر يحتاجون إلى مصادر للطاقة الأيضية، ومصادر التكاثر، ومصادر اجتماعيّة/أبويّة، ولكن أيضاً إلى أمور مستقبليّة
  • الأمور المستقبليّة: مثل التخطيط للغد – أريد أن أفعل كذا أو ذاك. خلافاً للتفكير الآني واللحظي
  • عندما تتعرّض هذه الارتباطات إلى التهديد أو التعارض، يشعر الإنسان بالقلق
  • عندما يفقد الإنسان هذه الإرتباطات، فإنّه يشعر بالاكتئاب
يقول الدكتور غريغوري:

كل كائن حيّ يستشعر البيئة من حوله، ويقوم بتحليل المعلومات المتوفّرة، ويؤثّر على الاستجابة الحركيّة. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة.

عندما يرى الإنسان مثلاً أفعى أمامه بالغابة، فإنّ اللوزة الدماغيّة تطلق إنذار الخوف. عندها، يندفع هرمون الكورتيزول في الجسم. أمّا جهاز المناعة فيصبح بحالة الاستجابة للالتهاب؛ لأنّ الدماغ يدرك أن قد يضطرّ إلى مقوامة الالتهابات، الناتجة عن الجروح وما إلى ذلك.

لكن فكروا بكلّ المحفّزات غير الخطيرة التي نواجهها كل يوم عندما تطلق اللوزة الدماغيّة إنذارات بدون سبب يستحق ذلك. علينا إيجاد طريقة لتهدئة اللوزة الدماغيّة التي يقول لها “قرن آمون”: “أنتِ تبالغين! لستِ مضطرّة إلى البقاء في حالة ارتقاب طوال الوقت وصرف الطاقة على حماية هذا الشخص'”.

هذا هو سبب الكثير من الأمراض المزمنة. بعض الناس يواجهون صعوبة في تهدئة اللوزة الدماغيّة (مثل من تعرّضوا لاضطراب ما بعد الصدمة). عندها يصبح الشخص بحالة متواصلة من التوتّر – توتر مزمن – ممّا يجعله أكثر عرضة للأمراض.

ويضيف:

دماغنا لا يمكنه التخلي عن الخوف من الانفصال. إنّه يريد دائماً حلول مرتبطة بالـ”تعلق” أمام تحديات الحياة. لذا تخيّلوا معاناة الشخص الفقير؛ أي كيف يصرف دماغه طاقة كبيرة ليشعر بالأمان والانتماء والارتباط مع الآخرين.

الخبر السار

لكن الدكتور غريغوري لا يشرح كل تلك الآليات من دون أن يقدّم الحل! إذ يُخبرنا أنّ الأمر برمّته يقوم على “المرونة النفسيّة” المرتبطة بمفهوم التعلّق.

وكلما عملنا على بنائها، كلما أحسنا التعامل مع الإجهاد والتوتّر ومصاعب الحياة.

فما ذكرناه في مثال الأفعى، اسمه “استجابة التوتّر” — أي كيف يتعامل الجسم مع التهديد
في الجهة المُقابلة، لدينا “استجابة الاسترخاء” — وهي حالة الراحة العميقة التي يعود أصلها إلى شعور الطفل بالطمأنينة في حضن أمّه!

يقول الدكتور غريغوري:

الثقافات اكتشفت التأمّل كطريقة لمحاكاة حالة الطمأنينة التي نشعر بها ونحن في حضن أمّنا!

مثال التأمل الذي أورده:

“اجلس بشكلٍ مريح وأغمض عينيك. ضع يديك على بطنك وتنفس من بطنك: أي تنفّس بشكلٍ عميق واترك المجال لبطنك كي يتمدّد عند الزفير. قُم بذلك بشكلٍ إيقاعي. وقُل في نفسك مثلاً كلمة “سلام” عندما تأخذ نفس، وكلمة “سكينة” عندما يخرج الهواء من رئتيك. أو ردّد صلاةً بدل ذلك.
إن فعلت ذلك لمدّة تترواح بين 10 إلى 20 دقيقة، هنالك احتمال كبير أنّك ستستنبط حالة الاسترخاء العميق. وهذه العادة ستساعد اللوزة الدماغيّة على تهدئة نشاطها المفرط”.

وعند الانتظام عليها فإنّها قد تغيّر حتى في عمليّة “التعبير الجيني” بمعنى إعادة برمجة الجسم ليصبح صحيّاً أكثر، وقد أكّدت الدراسات هذا من خلال اختبار أشخاص مارسوا “التأمّل” لمدّة 8 أسابيع فقط.

طُرق أخرى تزيد من مرونتنا النفسيّة في مواجهة التوتّر:

الدعم الاجتماعي: إحاطة نفسنا بأشخاص داعمين ومشجّعين لنا.

التركيز الواعي: أي التركيز خلال التأمّل مثلاً على طريقة التنفّس، ومراقبة أفكارنا من دون إطلاق الأحكام السلبيّة أو الإيجابيّة عليها، أو تخيّل نفسك في مكان مريح نفسيّاً لك (على الشاطئ مثلاً).

الاتصال الروحي: أي نوع من الأنشطة الروحيّة أو الدينيّة.

ممارسة الرياضة: ينصح عموماً بالتمرّن لمدّة 30 دقيقة على الأنشطة متوسطة الشدة على مدى 5 أيام في الأسبوع – أو لمدّة 20 دقيقة من الأنشطة عالية الشدّة على مدى 3 أيام في الأسبوع على الأقل.

التغذية: تقوم المصوّرات الحيويّة في الجسم بتحويل الغلوكوز والأكسجين لتعطيكم الطاقة.
لذا إذا كان نظامكم الغذائيّ سيء في وقتٍ تتعرّضون فيه إلى الإجهاد، فإن المصوّرات ستقوم بتحويل نسبة كبيرة من الأوكسجين في الغلوكوز وتسبب إجهاداً تأكسديّاً. وبالتالي، الأغذية الصحيّة تقيكم من الإجهاد التأكسدي.

تنظيم النوم: مثل؛ النوم بأوقات منتظمة، وزيادة نسبة التعرّض لضوء النهار، وعدم التعرض للضوء الأزرق ليلاً (استبدلوا الهاتف النقّال بالكتاب الورقيّ مثلاً).

علم النفس الإيجابي: مثل الاستعانة بالأقوال التحفيزيّة، والشخصيّات المُلهمة.. .

وغير ذلك من العادات الصحيّة.. .

هذه الأمور قد تبدو بسيطة، لكنها ستجنّبكم نسبة هائلة من الاضطرابات النفسية والأمراض المزمنة.

3 أراء حول “التوتّر والتأمّل وحُضن الأم: علاقة مذهلة يكشفها أحد أكبر أساتذة جامعة هارفرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook
Facebook
PINTEREST
INSTAGRAM