“لماذا نحن هنا”: كيف وجدْتُ معنى الحياة عند موتِ أحد زملائي

“لماذا نحن هنا”: كيف وجدْتُ معنى الحياة عند موتِ أحد زملائي

لماذا تطير الغيوم والطيور ؟ لماذا تعلو السماء فوق الأرض والبحور ؟ لماذا نحن هنا؟ سؤالٌ صعب.. سؤالُ يراودني..

هذه واحدة من أشهر أغاني سبيستون التي رافقت جيل التسعينيات خلال طفولتهم ونشأتهم، لكنها لم تعد مجرد أغنية بريئة وممتعة … بل أصبحت تعبّر عن أزمةٍ وجودية تلازم هذا الجيل الذي صارَ أبناؤه شبّاناً بالغون اليوم.

فها هم اليوم يستذكرونها عبر صور الميمز الطريفة التي يمكن أن نصفها بالكوميديا السوداء أحياناً، وكيف لنا أن نلومهم مع كل هذه الأزمات العالمية المتتالية، التي بدأت منذ عام 2000 وحتى يومنا هذا.

نعم، نحن — شبّان اليوم — نتمتّع بامتيازات هائلة لم يحظَ بها أجدادنا وآباؤنا، ولا يمكن أن نصف أنفسنا بالـ”بؤساء” مقارنةً مع ما قاسته الإنسانيّة في مراحلَ سابقةٍ … لكننا حصدنا لقب الجيل الأسوأ حظّاً حتى الآن — أو بالأحرى، هذا ما كتبته الصُحف عن جيل الألفيّة.

وفي وقت الشدائد والصعاب، يبدأ الإنسان بالتساؤل عن معنى وجوده والهدف من حياته ؟.. ولذلك، عندما رأيت العبثية و الفوضى في الحرب التي شهدتها بلادي، اختبرتُ أزمة وجودية حقيقية وصرتُ أسأل نفسي بشكلٍ جديّ: “لماذا نحن هنا؟”…

🔴 كيف تحوّل زميلي إلى فراشة بعد مماته وأجابني على السؤال… 🦋

كان لي زميلٌ موهوب جداً في مجال الحاسوب والتقنيات، موهوبٌ بشكلٍ استنثائيّ.. كان أصدقاؤه يشيدون ببراعته. كما أنّ بلاغته في الكلام وتعمّقه في العلم كانا يدلان على أنه على موعدٍ مع مستقبلٍ مُبهر في العمل والدراسة.

لكنه قُتل في الحرب.

صُدمت جدّاً حينها، وفكّرت: “بهذه البساطة ذهبت طاقة إنسانيّة كانت يُمكن أن تخلق تغييراً كبيراً في عالمنا”.. وظلّت هذه الفكرة تطاردني إلى أن تأملت عبارة اسمها: “تأثير الفراشة”.

تأثير الفراشة هو مصطلح صاغه عالم الأرصاد الجويّة إدوراد لورنتز عندما كان يعمل على نموذج لمحاكاة تحولات الطقس، والتنبؤ به. وبسبب خللٍ ما، لاحظ لورنتز أن تغييراً ضئيلاً في الرقم الأصلي الموجود في الحسابات، أدّى إلى تغييرٍ هائلٍ على النتيجة المتوقّعة للطقس.

وعندها أتى بالجملة المجازية التي اقترحها عليه أحد زملائه:

“هل تؤدي رفرفة أجنحة فراشة في البرازيل إلى إعصارٍ في ولاية تكساس؟”

وأصبحت هذه الفكرة تعبّر عن كل الأفعال والأمور الصغيرة التي من شأنها أن تفضي نحو نتائجَ هائلة الحجم.

لذا ربما لم يستطع ذلك الشاب أن يصبح “ستيف جوبز” أو “بيل غيتس”، لكنه قد أثر على مجموعةٍ من الناس — وأنا منهم — وتلك المجموعة سوف تؤثّر على مجموعة أكبر، والمجموعة الأكبر سوف تظلّ تتسع بطريقةٍ لا يمكننا وصلها مع بعضها أو استيعابها.

وبهذا، يمكنني أن أقول أنه استطاع أن يغيّر العالم… تماماً مثل تأثير الفراشة.

🔴 الأشياء الصغيرة لا تقلّ أهمية عن الأشياء الكبيرة:

يقول المُخترع توم تشي في محاضرة عنوانها: “Everything is Connected – كل شيء متصلٍ ببعضه البعض“:

“قبل 3 مليارات سنة، كانت الحياة على الأرض كما نعرفها اليوم غير ممكنة، لكنها أصبحت كذلك بسبب بكتيريا دقيقة متناهية الصغر اسمها: البكتيريا الزرقاء التي استطاعت أن تكتشف عملية التمثيل الضوئي وتحوّل ثاني أكسيد الكربون إلى أوكسجين.

وشيئاً فشيئاً، مع ملايين السنين، تمكّنت هذه البكتيريا من جعل الأكسجين يتجمّع في الغلاف الجويّ.. وبعد أن تجمّع الأكسجين، تكوّنت طبقة الأوزون … ولولا طبقة الأوزون هذه لكانت أشعة الشمس سوف تحرق أيّ نوعٍ من أنواع الحياة المعقّدة على الأرض.

لنقل أنك كنت واحداً من تلك البكتيريا.. من الوارد جدّاً أن تفكر بأن حياتك لا تعني شيئاً.. فأنت تولد، من ثمّ تسبح في الماء، وتموت بعد بضعة أسابيع. سيبدو لك العالم تماماً على ما هو عليه قبل مجيئك إليه. لكن ما لم يكن بإمكانك أن تعرفه حينها هو أنك — مع كل نفسٍ أخذته — ساهمت في وجود أعدادٍ هائلة من أشكال الحياة من بعدك.

وأعتقد ان هذه فكرة ثمينة للتأمل، ففي كثيرٍ من الأوقات في حياتنا، نبدأ بالتصارع مع أنفسنا حول ماهيّة هدفنا… لكنني أريد أن أقول أن الهدف من حياتكم قد يبقى حتى بعد مماتكم. قد يكون في إطارٍ زمنيّ لا يمكنكم فهمه حتى”.

🔴 كل شيء نقوم به مهمٌّ — مهما بدا بسيطاً:

هذا المفهوم موجودٌ أيضاً في الكتابات الأدبية… نذكر منها قصيدة للشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون التي خطر لها سؤال “لماذا نحن هنا”، وأجابته بطرقٍ مختلفة عبر شعرها، وتحديداً في (I Shall not Live in Vain) والتي تقول فيها:

إذا استطعتُ أن أساعد قلباً واحداً من أن ينفطر

لن تذهب حياتي سدىً

إذا استطعتُ أن أهوّن على روحٍ تنكسر

أو أخفّف ألماً واحداً

أو أُعِين طيراً واحداً ضلّ الطريق

ليصل إلى عشّه العتيق

لن تذهب حياتي سدىً

🔸 وهذا أيضاً يذكرني بالآية الكريمة من سورة المائدة:

“مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً”.

من أحيا نفساً واحدةً فقط، فذلك عند الله بمثابة إحياء العالم بأسره.

🔸 في فكرةٍ متصلةٍ أيضاً، كتب بنجامين فرانكلين ذات مرّة قولاً مستوحىً من مثلٍ ألمانيّ يدلّ على أهمية الأشياء الصغيرة، مفاده:

لعدم وجود مسمار ضاعت الحدوة،
لعدم وجود حدوة ضاع الحصان،
لعدم وجود الحصان ضاع فارسه،
لعدم وجود فارس هُزِموا في المعركة،
لعدم وجود معركة ضاعت المملكة،
وكل ذلك بسبب الحاجة إلى مسمار حدوة الحصان.

في المعنى الحرفيّ، يدلّ هذا القول على وجوب الانتباه إلى أصغر التفاصيل في المعركة، لكنه يصوّر أيضاً جوهر “تأثير الفراشة”… كل شيء نقوم به، مهما بلغت بساطته، له تأثيرٌ بالغ الأهمية في الصورة الكبيرة — مثل أحجار الدومينو — كل شيء متصل ببعضه البعض فعلاً..

لذا إذا أردنا أن نتنهّد ونسأل “لماذا نحن هنا”، علينا أن نعي أننا صغيرون جدّاً لكي نستوعب الجواب، ولكننا كبيرون بما يكفي لنغيّر نتائج هذا الجواب.

❤️ إن أعجبتكِ مقالتنا هذه، اتركي لنا تعليقاً في الأسفل، ولا تنسي متابعتنا على الفيسبوك، والإنستغرام!.

مقالات قد تهمك:

رأيان حول ““لماذا نحن هنا”: كيف وجدْتُ معنى الحياة عند موتِ أحد زملائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
PINTEREST
INSTAGRAM